حسن الأمين
320
مستدركات أعيان الشيعة
الإعلال والابدال وأمثال ذلك من المواضيع المربكة التي كنا نتجنب الخوض فيها مع التلاميذ لئلا يتيهوا فيما لا يجوز أن يتيهوا فيه ، وكنا نمر بها في تدريسنا لماما ونتجاوزها دون التعمق والإيغال . لأنه كان حسبنا من أولئك التلاميذ أن يصلوا معنا إلى إتقان المرفوعات والمنصوبات والمجرورات والمجزومات . أما متى تقلب الواو ياء ، ومتى تقلب الواو والياء همزة أو ألفا ، ومتى تقلب الواو والياء تاء ، مضافا إلى أمور الابدال ، فقد كنا نعتبرها أمورا ثانوية مشوشة لأذهان التلاميذ بدون طائل ، وأنه ينبغي العناية بها مع التلاميذ الذين يتقنون قواعد اللغة إتقانا جيدا لا مع التلاميذ الذين يجهلون أبسط قواعد اللغة . وقد كان بين التلاميذ من لهم قابلية تفهم تلك الأمور وكانوا قلة ، فكنت أخصهم بأوقات خارج أوقات الدرس أشرح لهم فيها ما لا يفيد شرحه لمجموع التلاميذ . قلت أن بهجت الأثري لم يجد من مسائل النحو ما يسال به إلا تلك المشاكل ، هذا في النحو وأما في الأدب فقد كان أمره أعجب وأغرب وأضحك : لقد كان سؤاله الوحيد أن اختار تلميذا وصدف أن كان كرديا من النوع الذي يجيب عن مكان ( لوح الوجود ) ، أنه في الإدارة ، وساله : هل للشمس حاجب ؟ . لقد تاه المسكين أي تيهان ، إنهم لم يدرسوه في دروس الأدب العربي ما إذا كان للشمس حواجب وعيون وآذان وآناف أم لا . فما هذه الورطة ؟ . لقد كان صاحبنا المفتش الهمام يقصد على ما يبدو بيت الشعر الوارد في قصيدة البحتري التي يصف بها بركة سامراء والتي يقول فيها : ( وحاجب الشمس أحيانا يضاحكها ) ، فبدلا من أن يسال التلميذ عن معنى البيت وينتظر تفسيره له ، لم يجد وسيلة ليقال أنه كتب تقريرا أو أبدى رأيا ، ولا طريقا للغمز واللمز سوى هذا الأسلوب في السؤال الذي كان موقنا بأنه سيريك التلميذ فيكون ذلك منفذه إلى ما يبغي . وكما دخل بهجت الأثري متعاظما متشامخا ، خرج وقد ازداد تعاظمه وتشامخه . ومن الطريف أن الدكتور زكي مبارك ، وقد كان يوما مفتشا للغة العربية اعترف في بعض ما كتبه بما كان يتعسف به أساتذة هذه اللغة إرضاء لحافز التسلط في نفسه ، وأورد أمثلة طريفة على ذلك . ولكن إذا غلب حافز التسلط على الدكتور مبارك فان وراءه دكتوراه من جامعة القاهرة ودكتوراه من جامعة الصوريون . ووراءه كتاب ( النثر الفني ) وأمثاله ، فما ذا وراء بهجت الأثري ؟ . من أيام دار المعلمين ومن أيام دار المعلمين المعدودة يوم الفيضان الرهيب الذي طغى فيه ماء نهر ديالى حتى أغرق معسكر الرشيد المجاور لنا ثم أخذ يمشي إلينا مهددا لنا بالغرق ، وقد كان لنزلاء المعسكر منفذ إلى بغداد أنقذهم من الموت غرقا أما نحن فقد أصبحنا محصورين بالماء من كل جوانبا ولا منفذ لنا حتى جاءت ساعات أيقنا فيها بالهلاك لولا أن الماء اتجهت قوته باتجاه ( الزعفرانية ) فمشى إلينا ضعيفا متباطئا مما أنجانا منه . وفي حالات الياس تلك وقف واحد منا وأخذ ينشد قصيدة مالك ابن الريب التي رثى نفسه بها ، وهي التي يقول فيها : فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه وليت الغضا ماشى الركاب ليباليا تذكرت من يبكي علي فلم أجد سوى السيف والرمح الرديني باكيا وأشقر خنذيذ يجر عنانه إلى الماء لم يترك له الدهر ساقيا فقلت له : لا ينبغي أن نرثي أنفسنا بشعر غيرنا ، بل علينا أن نرثي أنفسنا بشعرنا ، وأخذت أرتجل قصيدة طريفة أهملها من كتبها ، ولم يبق عالقا منها في ذهني سوى هذين البيتين : فليت طريق النهر لم تجر فوقه مياه تريك الموت أحمر قانيا تذكرت من يبكي علي فلم أجد سوى الكتب والأقلام حولي بواكيا في القضاء وفي هذه الأثناء كانت الحرب العالمية الثانية قد أعلنت وحلت الهزيمة بفرنسا وفقدت سيطرتها الفعلية على سوريا ولبنان واضطرت إلى الموافقة على قيام حكم يضعف فيه نفوذ المستشارين الفرنسيين ويكون للوطنيين فيه الكثير من التأثير ، لذلك رغبت في دخول القضاء ، فكان أن عينت حاكما لمحكمة ( النباطية ) . وقد تمت هزيمة فرنسا بذلك الشكل المهين وأنا في بغداد ، فكانت أنباء توالي الهزائم الفرنسية ومعها القوى الإنكليزية تبعث في نفوسنا الفرح العظيم ، ثم كانت الهزيمة النهائية التي سلمت فيها فرنسا ووقع مندوبوها على التسليم ، فبلغ سرورنا مداه . وكانت شماتتنا بالغة بالجنرال ( غاملان ) القائد العام للجيوش الفرنسية ، الذي كانت فرنسا قد عينته سنة 1926 قائدا عاما لجيشها في سوريا ولبنان ليخمد الثورة السورية . وكان لما ناله من الذل والعزل أطيب الوقع في نفوسنا ( 1 ) ، فنظم أحد رفاقنا الظرفاء أبياتا بذئية الألفاظ لا يمكن ذكرها هنا ، ولكنها مضحكة ، فيها الشماتة بفرنسا والهزء بها ، ومن أطرف ما فيها ذكر دخول إيطاليا الحرب بعد تضعضع فرنسا ، فقد ذكر ذلك ببيت واحد يغرق السامع فيه بالضحك بعد أن يتحمل بذاءة ألفاظه ، وكان فريق من اللبنانيين يلقب فرنسا بلقب الأمم الحنون لذلك جاء مطلع الأبيات هكذا : أكلت أمك الحنون . . . ها ودهاها من هتلر ما دهاها وأرى أن لا بأس بذكر البيت المتعلق بدخول إيطاليا الحرب بعد تبديل كلمتين فيه : ( نالها ) من أمام وجها لوجه وأتى ( الدوتشي ) ( فنال ) قفاها والضمير في ( نالها ) يعود إلى هتلر . والدوتشي هو لقب موسوليني . وإذا كنت أبيح لنفسي ذكر هذين البيتين وفيهما ما فيهما فذلك لتصوير ما كان يعتلج في النفوس تجاه فرنسا وأفاعيلها في سوريا ولبنان . وإني
--> ( 1 ) في الجنرال عاملان هذا يقول أحد الشعراء الثوار خلال الثورة السورية : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة وليس بسوريا مقر لغملان .